عُسر القراءة والكتابة
قراءة: رياض ذنيبات
تسجيل و منتاج: هارون الصويص
عُسر القراءة والكتابة
ما هي الأسباب؟
كيف يتم تشخيص الخلل
كيف يتم العلاج؟
كيف يمكن للآباء والأمهات تقديم المساعدة؟

بقلم فولفغانغ نوت
يعاني الأطفال المصابون بعُسر القراءة والكتابة من اضطراب في اكتساب اللغة المكتوبة، حيث يتأخرون في تعلم القراء والكتابة منذ مراحل التعلم الأولى، ويكون لديهم صعوبات في تعلـُّم وحفظ الأبجدية، وفي قراءة الحروف بشكلٍ صحيحٍ، وفي الربط بين الحروف أو تكوين جملٍ مقفاةٍ بسيطة.
كما تحدث لهم أخطاء أثناء القراءة تتجلّى في حذف كلماتٍ أو استبدالها أو قَلبها أو إضافة كلماتٍ أخرى أو حذف أجزاءٍ من كلماتٍ أو استبدالها أو قلبها وكذلك الأمر بالنسبة للحروف. والملفت للنظر أيضًا الأخطاء في تبيُّن موقع بداية الجملة أو بداية السطر والبطء في القراءة. ويصعب على الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة والكتابة ذكر محتوى ما تمت قراءته أو استنتاج شيئًا منه.
وفيما يخص الكتابة يحدث قلب الحروف متشابهة المظهر (b-d, p-q, u-n) ويحدث تغييرٌ لمواضع الحروف في الكلمة. ويؤدي حذف حروفٍ أو إضافتها والخلط بين الحروف المتشابهة صوتيًا إلى كلماتٍ مُبهمة يصعب على القارئ فهمها.
يحاول الأطفال جاهدين ويفشلون المرة تلو الأخرى. وغالبًا ما يفقدون الرغبة بالقراءة والكتابة ويبدؤون تجنبهما ورفضهما. ولا يحبون بعد ذلك الذهاب إلى المدرسة. ويصبح حل الوظائف المدرسية في المنزل صِراعًا يوميًا. إن الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة والكتابة لا يستطيعون أن يدركوا سبب عدم تمكنهم من أشياء يُفلح الآخرون بها بسهولة على ما يبدو. ويشعرون بأنهم عاجزون. ثم أنهم غالبًا ما يجري إنذارهم ويمنحون علامات سيئة أو يتعرضون للسخرية أمام الآخرين. كما يجري الظن أحيانًا بأنهم أغبياءٌ أو تنقصهم الإرادة. ويعانون من خيبة الأمل على مدى أسابيع وأشهر أو حتى سنواتٍ إلى أن ينفد صبرهم وطاقتهم عاجلا أم آجلا، فتؤدي تجارب الفشل المستمرة هذه إلى عدم الثقة بالذات. وكثيرًا ما يشعر الأطفال نتيجة لذلك بالقلق والاكتئاب. وتتميز هذه الحالات بالارتباط بمتطلبات الأداء المدرسي بحدوث اضطراباتٍ جسديةٍ نفسيةٍ مثل الصداع وأوجاع البطن والغثيان أو حتى التقيّؤ. كما يمكن ملاحظة أعراض قلقٍ وصعوبة تركيزٍ وانضباط.
إنَّ ظاهرة عسر القراءة والكتابة موجودة في كافة اللغات المكتوبة في العالم بغض النظر عن الثقافة. وتشير الإحصائيات إلى وجود طفلٍ أو طفلين يعانيان من اضطرابات في القراءة والكتابة الصحيحة في كل صفّ مدرسي. إلا أنهم لا يتحملون مسؤولية مشكلتهم، فهم ليسوا كسالى، وليسوا أغبياء. وكل ما هنالك أنَّ دماغهم يعمل بأسلوب آخر ليس إلا.
يثبت علماء الأعصاب منذ عدة سنوات أن عسر القراءة والكتابة تأتي نتيجة الإصابة بخلل وظيفي في الدماغ من جراء الوراثة أو بسبب أمراضٍ حدثت في سنوات الحياة الأولى.
يجري أثناء القراءة والكتابة ربط أصوات لفظ الحروف بأشكالها. أما الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة والكتابة فلا يستطيعون إجراء هذه المعالجة الضرورية للمعلومات اللغوية بالقدر الكافي.
كانت اضطرابات النمو في السمع والنطق تُعَد لفترة طويلة أكثر الأسباب شيوعًا. أما اليوم فتولى نفس الأهمية لكل من قصور الذاكرة والانتباه، وضعف الإدراك البصري أو المهارات الحركية. وكثيرٌ من المصابين بعُسر القراءة والكتابة يعانون من مزيجٍ من هذه الاضطرابات.
تتحدد قدرة الطفل على تعلـُّم القراءة والكتابة بلا صعوبة قبل فترة طويلة من دخوله المدرسة عادة. إلا أن تطور الشخصية، وخبرات التعلـُّم والتعامل مع ضغوط الأداء المطلوب ومع المخاوف هو مهم أيضًا.
يشمل التشخيص الجيد كافة جوانب تطور الطفل. أما تشخيص صعوبات التعلـُّم على أنها قصورٌ في القراءة والكتابة الصحيحة وفقا للتصنيف الدولي للأمراض من قِبل منظمة الصحة العالمية (الطبعة العاشرة للتصنيفِ الدوليِ للأمراض)، فيتحدد من خلال أساليبٍ معياريةٍ لقياس الذكاء وقدرات القراءة والكتابة. وإذا تم العثور في هذا السياق على إشاراتٍ تدل على قصورٍ في الانتباه، أو الذاكرة العاملة، أو قصور في إدراك ما يُشاهد ويُسمع عندها تجرى اختباراتٌ نوعية أخرى للحصول على مزيدٍ من المعلومات. ويكتمل التشخيص السريري من خلال إجراء اختبارات الشخصية والتطور.
يمكن الحصول على تشخيصات دقيقة في المستشفيات والعيادات النفسية للأطفال واليافعين وفي مراكز مديرية الصحة لتقديم المشورة في الشؤون النفسية للأطفال واليافعين، وفي مراكز المشورة في الشؤون النفسية التابعة لمديرية التربية والتعليم وكذلك من المؤسسات المتخصصة مثل مركز عُسر القراءة والكتابة Legasthenie- Zentrum في برلين.
يبيّن التشخيص التفصيلي ما يستطيعه الطفل وما يتوجّب عليه تعلـُّمه بعد من خلال العلاج. ويعتمد العلاج دائمًا على درجة تطور كل طفل. وهذا ما يميّزه عن المدرسة وعن الدروس الخصوصية.
لكي يستطيع الطفل تعلـُّم القراءة والكتابة، ينبغي عليه التحكّم في الاستخدام الواعي للأصوات. ولا بد له من التعرّف على الكلمات في الجمل، وعلى المقاطع اللفظية في الكلمات وعلى الحروف في المقاطع، ومن ثم تمييزها وتخزينها في الذاكرة. والكتابة الدقيقة للأصوات تُسهِّل الفهم الضروري بالبنى الصوتية للغة المكتوبة.
لا بد للطفل من استيعاب العلاقة بين الأصوات والحروف، وبين المقاطع اللفظية والكلمات، قبل أن يواجه صعوبات الكتابة الصحيحة طِبقًا للقواعد النحوية ويتخطاها. أما التدريب على المفردات اللغوية وتدريس العلوم المستندة إلى قواعد فقد أثبتت فعاليتها للأطفال ابتداءً من الصف الثالث.
ولكن حتى أبسط عمليات التعلـُّم يكون مصيرها الفشل إذا غاب الاستعداد الداخلي للتعلـُّم. لذا يتطلب الوضع النفسي العاطفي لهؤلاء الأطفال أكبر اهتمام علاجي ممكن. كما أنَّ مفتاح تحسين قدرتهم على التعلـُّم يكمُن في تقوية اعتزازهم بالنفس واستعادة ثقتهم بقدراتهم الخاصة.
لا يغطي التأمين الصحي تكاليف علاج عُسر القراءة والكتابة. لكن عندما يتضرر الأطفال من القصور في القراءة والكتابة بحيث يعكـِّر حل مشاكل الواجبات المدرسية في المنزل صفو الأجواء العائلية، أو يؤدي الخوف من المدرسة إلى خطر التسرب المدرسي أو إلى عدم قدرة الطفل على العثور على أصدقاء، عندها يمكن تقديم طلبٍ لدى دائرة شؤون الشباب (يوغند أمت) لتغطية تكاليف المساعدات العلاجية.
يتعلم كل أطفال العالم القراءة والكتابة بسهولة أكبر عندما يتوفـَّر لهم مدخلٌ إلى اللغة وإلى الكتابة في أبكر مرحلةٍ ممكنةٍ من حياتهم. ويشكل الوالدان في هذا السياق أهم قدوةٍ بالنسبة لأطفالهما. تتطور اللغة لدى الأطفال من خلال التحادث معهم كما تفتح لهم القصص عوالم جديدة. لذلك يحب الأطفال كثيرًا أن تتم القراءة لهم أو أن يشاركوا والديهم بالقراءة. كما يساعد الحديث عما تمت قراءته وكذلك إهداء الكتب أو زيارة المكتبات في تعزيز الثقة اللغوية لدى كل الأطفال دون استثناء.
ينبغي على الوالدين إذا لاحظا إشاراتٍ تدل على ضعف في تطور اللغة المكتوبة لدى طفلهما أن لا يتأخرا عن استشارة أخصائي للتحقق من الأمر. لا أحد يتحمّل ذنب وجود عُسر قراءة وكتابة. لذلك يؤدي مُجرد تشخيص هذا القصور غالبًا إلى تخفيف العبء عن الأطفال وعن الوالدين والمعلمين. كما أن تشخيص عُسر القراءة والكتابة سببٌ للمطالبة بحق الحصول على إجراءات المساعدة في المدرسة، أي بما يسمى تعويض الضرر، وكلما كانت بداية العلاج أبكر زادت فرص نجاحه.
يحتاج الأطفال الذين يعانون من عسرٍ في القراءة والكتابة إلى الثقة بالنفس قبل كل شيء. لذا تكمن مهمة الوالدين الرئيسة في منح الإحساس بالتقدير وفي لفت الانتباه إلى قدرات الطفل. وينبغي الاعتراف بكل جهد يقوم به والثناء على أصغر النجاحات التي يحققها. فهذا يعزز الثقة بالنفس وكذلك العلاقات الأسرية. والعلاقات القوية أكثر أهمية من العلامات المدرسية الجيدة وهي تساهم بشكل حاسم في التغلب على عُسر القراءة والكتابة.
المؤلف طبيب مختص بالعلاج النفسي وعلاج التعلم ويعمل في مركز علاج عُسر القراءة والكتابة شونبيرغ
Das Arabische Medienprojekt "mit Eltern - für Eltern" ist ein Projekt vom Arbeitskreis Neue Erziehung e.V
